الثعلبي
89
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وملكك - قال - وإنما كان للملك التحية لنا ونحن الأوثان . فبعث اللّه فينا نبيا صادقا ، وأمرنا بالتحية التي رضيها اللّه لنا . وهو السلام تحية أهل الجنّة . فعرف النّجاشي أن ذلك حق فيما جاء في التوراة والإنجيل . قال : أيّكم الهاتف : يستأذن عليك حزب اللّه ؟ قال جعفر : أنا . قال : تكلّم . قال : إنّك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم ، وأنا أحبّ أن أجيب عن أصحابي فمن هذين الرّجلين أن يتكلّم أحدهما وينصت الآخر . فتسمع محاورتنا . فقال عمرو لجعفر : تكلّم . فقال جعفر للنجاشي : سل هذين الرجلين . أعبيد نحن أم أحرار ؟ فإن كنّا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم . فقال النجاشي : أعبيد هم يا عمرو أم أحرار ؟ قال : لا ، بل أحرار كرام . فقال النجاشي : نجّوا من العبودية ، ثم قال جعفر : سلهما هل أهرقنا دما بغير حق ؟ فاقتصّ منّا . فقال عمرو : لا ولا قطرة . فقال جعفر : سلهما هل أخذنا أموال النّاس بغير حق فعلينا إيفاؤها . فقال النّجاشي : قل يا عمرو . وإن كان قنطارا . فعليّ قضاؤه قال : لا ولا قيراط . قال النّجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال عمرو : كنّا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا ، وتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره . ولزمناه نحن فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا . فقال النجاشي : ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الّذي اتبعتموه ؟ قال جعفر : أمّا الدين الذي كنّا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره . كنّا نكفر باللّه ونعبد الحجارة . وأما الذي تحولنا إليه فدين الإسلام جاءنا به من اللّه رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له . فقال النجاشي : يا جعفر تكلّمت بأمر عظيم فعلى رسلك . فأمر النجاشي فضرب بالناقوس . فاجتمع إليه كل قسّيس وراهب . فلمّا اجتمعوا عنده قال النّجاشي : أنشدكم اللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى . هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيّا مرسلا ؟ فقالوا : اللهم نعم . قد بشرّنا به عيسى ( عليه السلام ) فقال : من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي . فقال النجاشي لجعفر : هيه : أي هات ما ذا يقول لكم هذا الرّجل ؟ وما يأمركم به ؟ وما ينهاكم عنه ؟ فقالوا : يقرأ علينا كتاب اللّه ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويأمر بحسن الجوار ، وصلة الرحم ، ويأمر للوالدين واليتيم ، ويأمر بأن نعبد اللّه وحده لا شريك له . فقال : اقرأ عليّ شيئا ممّا يقرأ عليكم . فقرأ عليهم سورة العنكبوت والرّوم . فغاضت أعين النّجاشي وأصحابه من الدمع . وقالوا : يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطّيب . فقرأ عليهم سورة الكهف . فأراد عمرو أن يغضب النّجاشي . فقال : إنّهم يشتمون عيسى وأمّه . فقال النّجاشي : ما تقولون في هذا ؟ فقرأ جعفر عليهم سورة مريم فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النّجاشي نفسه من سواكه قدر ما يقذي العين وقال : ما زاد المسيح على ما يقولون . ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال : اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون من سبّكم أو